بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على مولانا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين.
إن الثقافة بالمفهوم الساذج الذي تروج له الدوائر الضاغطة في المجتمعات، وخاصة في العالم المتخلف، لا يعدو أن يكون مظهرا من مظاهر تكريس التخلف والانبطاح الاجتماعي. وإن كان في أحيان كثيرة هو مظهر من مظاهر الاسترزاق السياحي الداخلي كتمجيد الأضرحة -ومواسمها الفلكلورية- أو بقيام هذه الدوائر بإنشاء المهرجانات والحفلات. وأنشئت لهذا وزارات لا تعرف من الثقافة إلا هذه الشطحات. أو سياحة خارجية جعلت من بعض الدول الإسلامية عواصم الشرق التي تذهب بك إلى أسواق بغداد وسمرقند في قصص ألف ليلة وليلة. فانتشرت سوق النخاسة (الجنس) وبكل الأثمان، وحلقات مروضي الأفاعي والقردة، إلى المداحين الذين ينشئون حلقات سيف علي -رضي الله عنه- الذي يقتل في كل ضربة ألفا.
وهناك مفهوم ثان للثقافة، وإن كان أرقى وأشرف، ونقصد به عالم الكتاب والجريدة والمجلة والمطبعة، وكل من يتعاطى هذه المهمة. ولا نستغرب في عالمنا -العالم الثالث- أن نجد مطبعة صاحبها أمي لا يميز بين الأحرف العربية ولا العبرية ولا اللاتينية ولا غيرها، هدفه جمع وكنز الثروة. فشاعت بيننا كتب الشعوذة والنفاق الثقافي والترف الفكري وغابت الجدية والإبداع والرسالة. ولسنا نعجب حين نقف فنشاهد مواقف سلبية للتباكي حول واقع الأمة وأميتها، من مبرر لها، ومحلل لأهم قضاياها وأطوارها ، إلى أناس يضربون لها الأرقام، وهكذا حتى تنقطع أنفاسهم عن الكلام، أو حين لا يبقى شيء من الورق يكتبون عليه، أوحين تجف أقلامهم من الحبر. وتمر الأعوام والأعوام والمشكلة قائمة بل تزيد تعقيدا واستفحالا. هذا هو حال المثقف أو موقف السلبية في المجتمعات المتخلفة.
لقد استطاعت الحرب العالمية الثانية أن تعطينا مثالا للموازنة في تعامل طائفتين جمعتهما الظروف تحت طائلة الاحتلال الألماني، ولنأخذ مثالا على ذلك الجزائر. فلقد عايشت طائفة المسلمين وطائفة اليهود الاحتلال، كانت نتائج الحرب عليهما متساوية: ففي عام 1940 قامت حكومة (بيتان) الموالية لألمانيا بعد سقوط الجمهورية الثالثة، وتبعتها القوانين التمييزية الاستثنائية القاسية في تنظيم التعليم في مختلف مراحله والذي كان هدفه عزل الطائفتين وتجهيلهما.
لم يشهد التاريخ لليهود أنهم كتبوا عريضة احتجاج، أو عرضا مسرحيا، أو مقالة، أو ألقوا محاضرة، أو عقدوا ندوة للاستنكار، لأنهم يعلمون علم اليقين أن هذا الأمر غير مجد. اجتمع مثقفوهم (النخب) ودرست المشكلة وحددوا الموقف المناسب منها بأن يتطوع كل مفكر وكل مثقف بالعطاء بقدر العلم الذي عنده، فيقوم بحصة من التعليم الابتدائي أو الثانوي أو العالي في بيته على نفقته في ساعات معينة، فتحولت منازلهم إلى مدارس وثانويات وجامعات. ولما وضعت الحرب أوزارها وارتفعت القوانين الاستثنائية التي صاغتها حكومة (الماريشال بيتان) ضد أبنائهم، لم تحقق شيئا من أغراضها في المجتمع اليهودي لأنه عرف كيف يتحصن منها.
ولا يمكن أن نرد هذا إلى المستوى المادي ولا العلمي ولا العددي، فقد كان عند الجزائريين أطباء وصيادلة ومعلمين ومهندسين ولم نسمع عنهم أي شيء مما فعله قرنائهم من اليهود. إذن إلى أي شيء نرده؟
من هذه الموازنة نستنتج حالتين: الأولى موصوفة باللافعالية، والثانية بالفعالية. فالأولى جعلت من الثقافة مستوى معيشي يعيشه المثقف، فهو لا يشعر لذالك بمشروع كهذا بل قد يقدم مشروع شراء أي شيء عليه، أما اليهودي فهو صاحب قضية يعيش من أجلها شاهدا عليها.
وبعد كل هذا إذا أردنا أن نعرف الثقافة، ماذا عسانا نقول:
نقول أن الثقافة هي التي تنشئ الصلات الثقافية في المجتمع وتخلق الفرد الفعال. وبالتالي فليست مجرد علم يتعلمه ويتلقاه الشخص في دور العلم المختلفة. بل هو أسلوب تربوي ينشأ فيه الفرد فتتبلور فيه شخصيته فتنمي فيه عادات طائفته ، وديانتها، وأذواقها، وأوضاعها النفسية والخلقية، وتكون الجو العام الذي يبني فيها (الشخصية) دوافع الفرد وانفعالاته وصلاته بالأشياء وبالناس، والمبدأ الأخلاقي الذي يقوم بالضبط ببناء عالم الأشخاص الذي لا يتصور بدونه عالم الأشياء ولا عالم المفاهيم.
فالعالم قد تكون له حوصلة وإلمام بالمشكلة كفكرة، إلا أنه لا يتصورها فعلا أو عملا، والمثقف مدفوع إلى عملية مجردة هي طلب العلم، وعملية أخرى تنفيذية وعملية.